علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

190

البصائر والذخائر

الحرّاني الصّابئ « 1 » الفيلسوف كان يقول « 2 » : فضّلت أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم العربي على جميع الأمم الخالية بثلاثة لا يوجد فيمن مضى مثلهم : 1 بعمر بن الخطّاب في سياسته ، فإنه قلّم أظفار العجم ، ولطف في إيالة العرب ، وتأتّى لتدبير الحروب ، وأشبع بطون العرب « 3 » ، وألبس الدين جلبابا ، وفتح له أبوابا ، وهيّأ له شرائط وأسبابا ، ثم لم يرزأ من جميع الغنائم والفتوح شيئا ، وصحب عمره بالقناعة التي لا تجيب إليها نفس ، مع القدرة والتّمكين « 4 » والسلطان والسّطوة والهيبة والطّاعة والإجابة ، ومزج الدنيا بالدّين ، وأعان الدين بالدنيا ، ودارى في موضع المداراة ، وماري في موضع المماراة ، وأظهر الضعف مع قوة ، وأظهر القوة مع رأفة ، وأظهر الرأفة مع التقصّي ، فدانت له القلوب ، وذلّت له الرّقاب ، وتناجت القلوب بمحبّته ، وتناصرت الألسنة بالثناء عليه ، نومه لليقظة ، وراحته للدأب ، وقسوته للرحمة ، ومنعه للعطاء ، وصمته للعبرة « 5 » ، وقوله للفائدة ، ومشيه للإغاثة ، ينفض « 6 » الليل بنفسه ، ويعترف في كلّ أمر بتقصيره ، ولا يرضى ببذل مجهوده ، نقّاب يحدّث بالغائب ، إن ارتأى لم يقل ، وإن قال لم يخل « 7 » ، وإن تواضع لم يذلّ ، أحواله تتناسب ، وأموره تتشابه ، ليله كنهاره ، وسرّه كإجهاره « 8 » ، وإبطانه كإظهاره ، وعلانيته

--> ( 1 ) توفي أبو الحسن ثابت بن قرة الحاسب الحكيم الحرّاني سنة 288 ، وكان فصيحا بارعا في الطب والتنجيم تغلب عليه الفلسفة ؛ انظر ترجمته في الفهرست : 331 ووفيات الأعيان 1 : 313 وتاريخ الحكماء : 111 والبيهقي : 20 . ( 2 ) قارن هذا بما نقله ياقوت في معجم الأدباء 6 : 69 عن أبي حيان من كتابه « تقريظ الجاحظ » ، والشيخ الذي يروي هذا الحديث هو أبو سعيد السيرافي . ( 3 ) العرب : سقطت من ح . ( 4 ) ر : مع التمكين والقدرة . ( 5 ) ح : للعزة . ( 6 ) ك ر : ينقض . ( 7 ) ر : يحبل . ( 8 ) ر : كجهاره .